الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
113
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وكيف يمكن القول بصحة القدرة بمجرد صدق اسم الصلاة عليه والمفروض عدم قضاء أصل ولا غيره بصحته على الوجه المذكور فيكون احتمال فساده في ظاهر الشرع مكافئا لاحتمال صحته من غير فرق مع وضوح اعتبار صحة صلاة الإمام ولو في ظاهر الشرع في صحة الائتمام فالظاهر أن الوجه في البناء المذكور أيضا أحد الوجهين المتقدمين هذا والوجه في القول بالتفصيل بين الأجزاء والشرائط أما في اعتبار الأجزاء فيما مرت الإشارة إليه من ظهور عدم إمكان تحقق الكل مع انتفاء الجزء فإذا تحققت الجزئية لم يعقل صدق الكل حقيقة بدونه وإذا شك في حصوله أو في جزئيته مع عدم وجوده لزمه الشك في صدق الكل وأما في عدم اعتبار الشرائط فبظهور خروج الشروط عن ماهية المشروط كيف ولو كانت مندرجة فيه لما يتحقق فرق بين الجزء والشرط فإذا وضع اللفظ بإزاء المشروط كان مفاده هو ذلك من غير اعتبار للشرائط في مدلوله وعدم انفكاك المشروط بحسب الخارج عن الشرط لا يقضي بأخذه في مفهومه إذ غاية ما يقضي به ذلك امتناع وجوده بدونه وذلك مما لا ربط له باعتباره في موضوع اللفظ وفيه ما عرفت مما فصلناه أما ما ذكره من عدم تعلق الحكم بصدق الكل بدون الجزء أو الشك فيه فيما مر توضيح القول فيه في توجيه كلام القائل بوضعها للأعم فلا حاجة إلى تكراره وأما ما ذكر من لزوم اندراج الشرط في الجزء على فرض اعتباره فيه فيدفعه ما أشرنا إليه من الفرق بين اعتبار الشيء جزءا أو اعتباره شرطا فإن الملحوظ في الأول إدراجه في الموضوع له ودخوله فيه والمعتبر في الثاني هو تقييد الموضوع له به وأما نفس الشرط فخارجة عنه ومع الغض عن ذلك فلا يلزم من القول بوضعها للصحيحة مطلقا اعتبار كل من الشرائط بخصوصها في المفهوم من اللفظ لإمكان أن يقال بوضعها لتلك الأجزاء من حيث إنها صحيحة أو مبرئة للذمة ونحوهما وحينئذ فيتوقف حصولها في الخارج على حصول تلك الشرائط من غير أن يكون معتبرة بخصوصها في الموضوع له [ ثمرة النزاع في المسألة . ] المقام الثاني في بيان ثمرة النزاع في المسألة فنقول عمدة الثمرة المتفرعة على ذلك صحة إجراء الأصل في أجزاء العبادات وشرائطها فإنها إنما يثبت على القول بوضعها للأعم دون القول بوضعها للصحيح وعلى القول بالتفصيل بين الأجزاء والشرائط يفصل بينهما وتوضيح المقام أن الشك المتعلق بالأجزاء أو الشرائط إن كان فيما يشك مع انتفائه في التسمية ولو على القول بوضعها للأعم نظرا إلى وضوح الاعتبار القائل به أجزاء وشرائط في الجملة لتحقق التسمية فلا يمكن إجراء الأصل فيه على شيء من المذهبين لتحقق اشتغال الذمة بالمسمى وعدم حصول العلم بأدائه من دون ذلك من جهة الشك المفروض وأما إذا علم بحصول المسمى على القول بوضعها للأعم وحصل الشك في اعتبار جزء أو شرط في تحقق الصّحة فالقائل بالأعم ينفيه بالأصل نظرا إلى إطلاق المكلف به من غير ثبوت للتكليف بخلاف القائل بوضعها للصحيحة لإجمال المكلف به عنده وعدم حصول العلم بحصول المسمى في مذهبه إلا مع العلم باستجماعه بجميع الأجزاء والشرائط المعتبرة في الصحة والشك في اعتبار جزء أو شرط في الصحة يرجع عنده إلى الشك في الجزء أو الشرط المعتبر في التسمية كما في الوجه الأول فلا يجري فيه الأصل عنده لقضاء اليقين بالاشتغال اليقين بالفراغ ولا يحصل إلا مع الإتيان بما يشك في جزئيته أو شرطيته وترك ما يحتمل مانعيته فإن قلت لا شك في كون مطلوب الشارع والمأمور به في الشريعة إنما هو خصوص الصحيحة لوضوح كون الفاسدة غير مطلوبة لله تعالى بل مبغوضة له لكونها بدعة محرمة فأي فارق إذن بين القولين مع حصول الشك في إيجاد الصحيحة من جهة الشك فيما يعتبر فيها من الأجزاء والشرائط قلت لا ريب في أن العلم بالصحة إنما يحصل من ملاحظة الأوامر الواردة فيما وجد متعلقا للأمر ولو بالنظر إلى إطلاقه من غير أن يثبت فساده يحكم بصحته إذ ليست الصحة في المقام إلا موافقة الأمر فإذا تعين عندنا مسمّى الصلاة وتعلق الأمر بها قضى ذلك بصحة جميع أفرادها وأنحاء وقوعها لحصول تلك الطبيعة بها إلا ما خرج بالدليل وقامت الحجة الشرعية على بطلانه فيثبت الصحة إذن بملاحظة إطلاق الأمر وعدم قيام دليل على الفساد نظرا إلى حصول المأمور به بذلك بملاحظة الإطلاق ولا يجري ذلك على القول بوضعها للصحيحة لإجمال المأمور به عنده فكون المطلوب في الواقع هو الصحيحة لا يقضي بإجمال العبادة حتى لا يثبت بملاحظة إطلاق الأمر بها صحتها في ظاهر الشريعة فإن قيل إن العلم الإجمالي بكون مطلوب الشارع هو خصوص الصحيحة يوجب تقييد تلك الإطلاقات بذلك فيحصل الشك أيضا في حصول المكلف به إذ هو من قبيل التقييد بالمجمل فلا يمكن تحصيل العلم بالامتثال بحسب الظاهر أيضا قلت قبل ظهور ما يقضي بفساد بعض الأفراد من ضرورة أو إجماع أو رواية ونحوها فلا علم هناك بفساد شيء من الأقسام ليلتزم بالتقييد فلا بد من الحكم بصحة الكل وبعد ثبوت الفساد في البعض يقتصر فيه على مقدار ما يقوم الدليل عليه ويحكم في الباقي بمقتضى الأصل المذكور فلا تقييد هناك بالمجمل من الجهة المذكورة ويتضح ذلك بملاحظة الحال في المعاملات فإن حكمه تعالى بحل البيع وأمره بالوفاء بالعقود ليس بالنسبة إلى الفاسدة قطعا ومع ذلك الإجمال في ذلك من تلك الجهة لقضائه بصحة كل البيوع ووجوب الوفاء بكل من العقود فلا يحكم بفساد شيء منها إلا بعد قيام الدليل على إخراجه من الإطلاق والعموم المذكورين وحينئذ يقتصر على القدر الذي ثبت فساده بالدليل نعم لو قام دليل إجمالي على فساد بعض الأفراد ودار بين أمرين أو أمور لم يمكن معه الأخذ بمجرد الإطلاق وهو كلام آخر خارج عن محل الكلام وربما يقال بجريان الأصل في أجزاء العبادات وشرائطها بناء على القول بوضعها للصحيحة أيضا لدعوى إطلاق ما دل على حجية أصالة البراءة والحكم ببراءة الذمة إلى أن يعلم الشغل لشموله إذا علم الاشتغال في الجملة أو لم يعلم بالمرة والتحقيق خلافه فإن الظاهر الفرق بين الصورتين وما دل الدليل على حجية أصالة البراءة بالنسبة إليه إنما هو الصورة الثانية وما يرجع إليها من الصورة الأولى بالأخرة ويأتي تفصيل القول فيه إن شاء الله عند الكلام في أصالة البراءة وقد ظهر مما أشرنا إليه أنه لو يكن هناك توقف في صحة الإتيان ببعض أجزاء العبادة على بعض آخر كما في الزكاة صح إجراء الأصل فيه حسبما يأتي تفصيل القول فيه في محله إن شاء الله هذا ولا يذهب عليك بعد ملاحظة ما قررناه أن الأصل في المسألة بحسب الثمرة مع القائل بوضع تلك الألفاظ للصحيحة إذا فرض عدم قيام الدليل على شيء من الطرفين وعدم نهوض شيء من الحجج المذكورة للقولين وإن لزم التوقف حينئذ في تعيين الموضوع له نظرا إلى وضوح عدم